محمد رأفت سعيد

252

تاريخ نزول القرآن الكريم

سورة « الطارق » نزلت بعد سورة البلد بمكة المكرمة أخرج البيهقي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : نزلت وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ بمكة . وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه ، والطبراني وابن مردويه عن خالد العدواني أنه أبصر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في سوق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغى النصر عندهم ، فسمعه يقرأ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حتى ختمها ، قال : فوعيتها في الجاهلية ، ثم قرأتها في الإسلام ، قال : فدعتني ثقيف فقالوا : ما ذا سمعت من هذا الرجل ، فقرأتها فقال من معهم من قريش : نحن أعلم بصاحبنا ، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه « 1 » . وسورة الطارق تأخذ بأبصار الناس إلى السماء ذات النجوم الساطعة التي تطلع ليلا ، ليهتدى بها الناس في ظلمات البر والبحر . وذات الرجع ترجع بالمطر وترجع أيضا بالأقدار ، وتأخذ السورة أبصارهم كذلك إلى الأرض ذات الصدع فتنصدع الأرض للنبات ، وتنصدع الأرض كذلك عن الأموات وتأخذ الأبصار كذلك إلى ما بين السماء والأرض ، وما يتعلق بالإنسان نفسه في خلقته من الماء الدافق الذي يخرج من الموضع الصعب من الصلب والترائب ، تأخذ السورة الناس في هذه الجولة الفكرية التي يدركون بها مظاهر قدرة الخالق سبحانه ولطفه بعباده ورحمته بهم فالذي صنع هذا هو الذي جعل على كل نفس حفظة يحفظون عليها رزقها وعملها وأجلها « 2 » . وهو الذي سيعيد الإنسان مرة أخرى فهو على رجعه لقادر . وهو الذي سيبدى يوم القيامة كلّ سرّ خفى فيكون زينا في الوجوه وشينا في الوجوه « 3 » . وما كان منكتما في الدنيا فإنه يظهر عيانا للناس فيظهر برّ الأبرار وفجور الفجار وتصير الأمور إلى علانية . والإنسان في هذا الموقف ليست له من نفسه قوة يدفع بها وليس له ناصر من خارجه ينتصر به . لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . والذي خلق هذا هو سبحانه الذي يقرر أن هذا القرآن هو القول الفصل البين

--> ( 1 ) فتح القدير 5 / 417 . ( 2 ) القرطبي 20 / 3 . ( 3 ) المرجع السابق 20 / 9 .